محمد بن جرير الطبري
35
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الراسخون في العلم ، ولكن الكلام لما تطاول واعترض بين الراسخين في العلم والمقيمين الصلاة ما اعترض من الكلام فطال نصب المقيمين على وجه المدح ، قالوا : والعرب تفعل ذلك في صفة الشئ الواحد ونعته إذا تطاولت بمدح أو ذم خالفوا بين إعراب أوله وأوسطه أحيانا ثم رجعوا بآخره إلى إعراب أوله ، وربما أجروا إعراب آخره على إعراب أوسطه ، وربما أجروا ذلك على نوع واحد من الاعراب . واستشهدوا لقولهم ذلك بالآيات التي ذكرناها في قوله : والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء . وقال آخرون : بل المقيمون الصلاة من صفة غير الراسخين في العلم في هذا الموضع وإن كان الراسخون في العلم من المقيمين الصلاة . وقال قائلوا هذه المقالة جميعا : موضع المقيمين في الاعراب خفض ، فقال بعضهم : موضعه خفض على العطف على ما التي في قوله : يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ويؤمنون بالمقيمين الصلاة . ثم اختلف متأولو ذلك في هذا التأويل في معنى الكلام ، فقال بعضهم : معنى ذلك : والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ، وبإقام الصلاة . قالوا : ثم ارتفع قوله : والمؤتون الزكاة ، عطفا على ما في يؤمنون من ذكر المؤمنين ، كأنه قيل : والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك هم والمؤتون الزكاة . وقال آخرون : بل المقيمون الصلاة : الملائكة . قالوا : وإقامتهم الصلاة : تسبيحهم ربهم واستغفارهم لمن في الأرض . قالوا : ومعنى الكلام : والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالملائكة . وقال آخرون منهم : بل معنى ذلك : والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة ، هم والمؤتون الزكاة ، كما قال جل ثناؤه : يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين . وأنكر قائلوا هذه المقالة أن يكون المقيمين منصوبا على المدح وقالوا : إنما تنصب العرب على المدح من نعت من ذكرته بعد تمام خبره قالوا : وخبر الراسخين في العلم قوله : أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما . قال : فغير جائز نصب المقيمين على المدح وهو في وسط الكلام ولما يتم خبر الابتداء .